محمد أبو زهرة

1492

زهرة التفاسير

مستمرا ، ولكن العاقبة في النهاية لأهل الحق والعدل والرشاد ، وهناك فائدة للهزيمة أنها تبين الصادق الإيمان من المنافق الذي لا يؤمن بشيء ، ففي المحنة يتميز الخبيث من الطيب ، وإذا كان النصر في بدر قد فتح باب النفاق ، فدخل في الإسلام من لم يؤمنوا به ، وأعلنوا الاعتقاد من يبطنون خلافه ، ويخفون ما لا يبدون ، فإن الهزيمة في أحد قد كشفت النفاق والمنافقين ، بل إن غزوة أحد من أول أمرها قد كشفت النفاق ، فقد أخذ المنافقون يثبطون ، حتى همت طائفتان أن تفشلا واللّه وليّهما ، فلما كانت النتيجة أخذوا يبثون الأوهام الفاسدة ، ليضعضعوا عزائم المؤمنين ، ويشككوا ضعفاءهم في اعتمادهم على اللّه ، فغزوة أحد قد كشفت النفاق في أولها وفي آخرها ، وحسبها ذلك فائدة . أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا المصيبة أصلها في اللغة الرمية التي تصيب الهدف ، ولا تخطئه ، ثم أطلقت على النائبة التي تنزل ، ولا تكاد تستعمل في القرآن في معنى الخير ، وأما الفعل « أصاب » فيستعمل في الخير والشر ، ومن ذلك قوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . . . ( 79 ) [ النساء ] وقوله تعالى : إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ . . . ( 50 ) [ التوبة ] والمثل هو المساوى ، والمثلان هما ضعف المساوى ، والمعنى : أو لمّا أصابتكم مصيبة قد أنزلتم بالأعداء ضعفها أصابكم الشك والتردد وقلتم أنّى هذا ؟ وقد أصابوا من المشركين ضعف ما أصاب المشركون منهم ، فقد قتلوا منهم مقتلة في بدر ، قتلوا نحو سبعين ، وأسروا مثلهم ، وقتلوا منهم مقتلة في أول الحرب في أحد ، والاستفهام هنا إنكاري للتوبيخ ، وموضع التوبيخ هو قولهم : « أنّى هذا » ؛ لأن ذلك يدل على التردد والشك أو تسربه إلى قلوبهم ، ومعنى « أنّى هذا » : من أين هذا ، أي من أين جاءت هذه الهزيمة ، وهذا لا يقوله إلا ضعاف الإيمان ؛ لأن المؤمنين الصادقين يدركون خطأهم ، ويعرفون تقصيرهم ، ويغلبون إسناد عيبهم إليهم على إسناد العيب إلى غيرهم ، فكأن حل النسق البياني الرائع هو هكذا : أقلتم من أين هذه الهزيمة لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ، بالمقتلة